مبارك ربيع في رواية “الريح الشتوية”.. بين رصد الواقع والاستنهاض الوطني لطرد الاستعمار

يبدو للبعض أن الإبداع الروائي في المغرب تراجع بشكل كبير، إلا أن هذا التوجه والحكم يُعتبر تشاؤميا، لا يُقاس عليه، فلا زالت الرواية المغربية تتطور، ولا زال الروائيون المغاربة يواصلون مسار الإبداع ويضربون مواعدا راقية للقراء بإصدارات تُغني المكتبة المغربية.
في السلسلة الرمضانية حول الأدب الروائي، نواصل الحديث عن أمهات الرويات المغربية التي كان لها التأثير الكبير في المغرب وتاريخه الإبداعي، واليوم نتحدث عن مبارك ربيع، وهو الذي يعد واحدا من أبرز الأسماء التي بصمت السرد المغربي بنَفَس نقدي وتحليلي عميق، حيث تميزت أعماله بقدرتها على توثيق التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المغرب خلال فترات حرجة من تاريخه.
ومن بين أعماله التي حظيت باهتمام نقدي واسع، تبرز رواية “الريح الشتوية” التي عكست بواقعية جارحة معاناة الإنسان المغربي في زمن الاستعمار، وسبرت أغوار التناقضات الاجتماعية والإنسانية التي ولدتها تلك المرحلة.
ولد مبارك ربيع في سنة 1935، وهو الذي سيصبح لاحقا أحد رواد الأدب المغربي الحديث. بدأ مسيرته التعليمية في سن مبكرة، حيث اشتغل بالتعليم الابتدائي منذ عام 1952. لم يكن يعلم أن تلك الخطوات الأولى في مجال التعليم ستقوده إلى عالم أوسع من المعرفة.
وحصل على الإجازة في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع عام 1967، ثم نال دبلوم الدراسات العليا في علم النفس عام 1975، وتوّج مسيرته الأكاديمية بدكتوراه الدولة عام 1988. توزعت اهتماماته بين التدريس الجامعي والبحث العلمي، حيث عمل أستاذا جامعيا وباحثا مختصا في علم النفس.
لكن شغفه بالأدب كان دائما يرافقه، ففي عام 1972، أصدر عمله الروائي الأول بعنوان “الطيبون”، ليعلن بذلك ولادة كاتب يمتلك قدرة فريدة على تصوير المجتمع المغربي وتحولاته. توالت أعماله الأدبية، فكتب “رفقة السلاح والقمر” عام 1976، و”الريح الشتوية” عام 1977، و”بدر زمانه” عام 1983، و”برج السعود” عام 1990، و”من جبالنا” عام 1998، وثلاثية “درب السلطان” عام 1999، و”أيام جبلية” عام 2003.
الريح الشتوية.. تشريح للمجتمع المغربي تحت نير الاستعمار
تشكل رواية “الريح الشتوية” مرآة لحياة المغاربة خلال فترة الاستعمار الفرنسي، حيث تنطلق الأحداث من معاناة العربي الحمدوني، الذي تم تجريده من أرضه في البادية، ليجد نفسه مضطرا للنزوح إلى مدينة الدار البيضاء، حيث يتكدس في أحياء الصفيح مثل “الكريان سنطرال”، ومن خلال هذه الشخصية المحورية، يسلط الكاتب الضوء على أوضاع الطبقة الكادحة التي وجدت نفسها بين مطرقة الفقر وسندان الاحتلال.
وتنقسم الرواية إلى ثلاث مراحل سردية أساسية، حيث يبدأ بمرحلة الجهل والخرافة: حيث يظهر المجتمع غارقا في مفاهيم مغلوطة، متخبّطًا في الحلول الفردية، كما تجسد شخصية عائشة العرجاء حالة الاضطراب الاجتماعي وسوء الفهم العميق للأحداث.
ثم تأتي مرحلة الوعي الجماعي، ويتمثل التحول هنا في ظهور “العالم”، الذي يسعى إلى نشر التوعية الدينية، ليخلفه بعد ذلك “سي عبد الفتاح”، الذي يوجه الناس نحو الوعي الوطني والنضال المنظم عبر النقابات العمالية.
وبعد ذلك مع تقدم النص نصل إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، حيث إنه مع ازدياد الوعي الجماعي، تتحول أحياء الصفيح إلى بؤر مقاومة، مما يدفع المستعمر إلى محاولة إخلائها بالقوة، وصولا إلى قمع السكان وحرق الكريان، وهو الحدث الذي يؤجج النضال الشعبي.
السمات المهيمنة في الرواية
تتميز “الريح الشتوية” بأسلوب سردي قوي يعتمد على التنامي الدرامي، والإقصاء، والتحول، مما يخلق جدلية بين الشخصيات ومسار الأحداث، حيث تتطور الأوضاع من مرحلة الرضوخ إلى المواجهة.
كما أن الرواية تصور بعمق البعد الوجودي للإنسان المغربي خلال هذه الفترة، من خلال شخصية الحمدوني، الذي يعاني بين الرغبة في المقاومة والخضوع للواقع المرير.
هنا نقتبس من الرواية، “والعربي الحمدوني اليوم غيره بالأمس، فأسرته بجانبه والأمل كبير في أن يجتمع الشمل الكبير يوما ما بالعودة إلى تربة القرية”(21).
ونقتبس من نص نقدي للقاص والشاعر البشير البقالي تعليقه حول المقطع “تكشف هذه الصورة عن شدة ارتباط البطل بأرضه وتربته في القرية. كما تجسد رغبة مصرة في العودة واجتماع الشمل الكبير. هكذا ظل الحمدوني متشبتا بأرضه وحالما بالعودة إليها رافضا واقعه في المدينة. لكنه، بوصفه نتاج بنية اجتماعية يطبعها الجهل والتخلف، ظل في حيرة وضبابية ورؤية قاتمة، كما تبين الصورة الآتية:
«تجاوز الظل الطويل، وتوقف قليلا عند موضع مهشم من قناة ضخمة بارزة على الأرض، تمتد طولا إلى ما لا حد له على طرفي الرؤية. وحدق لحظة في صورته الغائمة المرتسمة على السائل البترولي الدسم الداكن الذي يمر خلال القناة في حركة أشبه بالركود. وانحنى يحرك بأصبعه السائل ويشمه بفضول، رائحة القطران»(22).
ويقول البقال إن “هذه الصورة تنقل لحظة تيهان يعيشها الحمدوني، بعد أن يدخل العمال إلى المعامل، ويظل هو تائها يعيش فراغا وحرقة نفسية. والصورة تنطوي على دلالات كثيرة، حيث ترصد حالة انتقال مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي من خلال تركيز الراوي على السائل البترولي وحيرة الحمدوني التي دفعته إلى فضول الشم. كما تعكس، تبعا لذلك، تحول الإنسان عن هويته من خلال انعكاس الصورة غائمة على ذلك السائل”.
القلق الوجودي
وسط زحمة الأحداث المتسارعة في الريح الشتوية، نجد العربي الحمدوني يسير بين الأزقة الضيقة، محملا بقلق وجودي ثقيل. كانت الأرض بالنسبة له أكثر من مجرد تراب، كانت امتدادا لروحه، وعندما سُلبت منه، سُلبت معها هويته، واستُبدلت بهواجس لا تهدأ.
في ليالي الكاريان الباردة، حيث اجتمع النازحون حول نار خافتة، لم يكن الحديث سوى عن الفقدان والتشرد، عن أرض كانت يوما مصدر قوة، وتحولت إلى حلم بعيد المنال. العربي، كغيره، حمل شعور الهزيمة داخله، لكنه ظل يراوغ القدر، متشبثا بحبال الأمل حتى الرمق الأخير، غير أن موته كان إعلانا رمزيا لانتهاء عهد الخضوع، وبداية مخاض جديد، لم يكن يدركه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه كان يتشكل في الأفق البعيد.
ومع القسم الثاني من الرواية، تبدأ ملامح التحول في الظهور، كأن الأرض المسلوبة لم تعد فقط رمزا للحزن، بل دافعا للمقاومة، ولم يعد الناس مجرد أفراد يئنّون تحت وطأة القهر، بل صاروا كتلة واحدة، يتحدون بإيمان لا يتزعزع، فـ”العالم” و”سي عبد الفتاح” لم يكونا مجرد شخصيات عابرة، بل كانا الشرارة التي أشعلت وعي الجماهير، فبدأ الهمّ الفردي يذوب في قضية أكبر، قضية وطن مسلوب.
ومع تصاعد الوعي، كما ذكرنا سابقا، تصاعدت المواجهة، ومع كل خطوة للخلف كان هناك قفزتان للأمام، فحين حاول المستعمر محو أثرهم بحرق الكاريان، لم يجد إلا إصرارا أشد، وكأن النار التي أحرقت مساكنهم أوقدت فيهم جذوة لا تنطفئ.