رواية ”رسائل زمن العاصفة”.. رحلة حب ونضال

يواصل موقع “برلمان.كوم” تسليط الضوء على المشهد الروائي في المغرب، حيث خصص حلقة اليوم لمناقشة تطور السرد الروائي المغربي ومدى حضوره في الساحة الأدبية العربية والدولية.
وتناولت الحلقة بالتحليل والتفصيل عملا روائيا بارزا، “رسائل زمن العاصفة” لعبد النور مزين، التي أثارت نقاشا واسعا عند صدورها حول أسلوبها السردي وعمقها الإبداعي.
وفي هذا السياق، شهد الأدب الروائي في المغرب بعد سنة 2000 تطورا ملحوظا، حيث تنوعت الاتجاهات والأساليب، وتعمقت التجارب السردية، مما أسهم في إثراء المشهد الأدبي المغربي، حيث برزت عد اتجاهات أسهمت في إغناء التجربة الروائية المغربية.
طبيب يحمل روائيا بداخله
عبد النور مزين، كاتب وطبيب مغربي، وُلد عام 1965 في بني أحمد ضواحي مدينة شفشاون، حصل على درجة الدكتوراه في الطب عام 1992، والتحق بالعمل في وزارة الصحة، حيث لا يزال يمارس مهنته كطبيب، وقد بدأ مسيرته الأدبية بنشر قصائده باللغة الفرنسية في جريدة “الرأي” الصادرة بالفرنسية في الرباط، ثم انتقل إلى الكتابة باللغة العربية، حيث نُشرت أولى قصصه القصيرة في الملحق الثقافي لجريدة “الاتحاد الاشتراكي” عام 1992.
وأصدر مجموعته القصصية الأولى بعنوان “قبلة اللوست” عام 2010، وتبعها بديوان شعري بعنوان “وصايا البحر” عام 2013، وفي عام 2015، أصدر مزين روايته الأولى “رسائل زمن العاصفة”، التي لاقت استحسانا واسعا، حيث اختيرت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2016، المعروفة باسم “جائزة البوكر العربية”.
الجوانب الفنية والإبداعية والأسلوبية في رواية “رسائل زمن العاصفة”
تُعَدُّ رواية “رسائل زمن العاصفة” عملا أدبيا متميزا يعكس تجربة إنسانية عميقة، مستندة إلى أحداث تاريخية مهمة، تتناول الرواية قضية طرد الفلسطينيين من الكويت إثر حرب الخليج عام 1991، مسلطة الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني في الشتات. يُبرز مزين في روايته الخصائص الفنية والإبداعية.
ويعتمد مزين في روايته على تقنية تعدد الأصوات السردية، مما يمنح القارئ رؤية متعددة الأبعاد للأحداث والشخصيات، وهذا التنوع في الأصوات يُضفي حيوية على السرد ويعكس تعقيدات الواقع الذي تعيشه الشخصيات.
وتُشكِّل الرسائل جزءا أساسيا من بنية الرواية، حيث يستخدمها الكاتب لنقل مشاعر وأفكار الشخصيات، مما يُضفي بُعدا إنسانيا عميقا على السرد، تُساهم هذه التقنية في تقريب القارئ من التجارب الشخصية للشخصيات وتُعزِّز من تفاعلهم مع الأحداث.
ويتميز أسلوب مزين بلغة شاعرية غنية بالرموز والإيحاءات، مما يُضفي جمالا خاصا على النص، حيث يستخدم الكاتب تعابير مجازية وصورا بلاغية تُثري النص وتُعمِّق من دلالاته، وهذا الأسلوب يُساهم في نقل المشاعر والأفكار بطريقة مؤثرة وجذابة.
حضور التاريخ والتجريب
ويُقدِّم مزين شخصياته بعمق وواقعية، مع التركيز على الجوانب الإنسانية لكل شخصية. يُبرز الكاتب معاناة الشخصيات وتفاعلاتها مع الأحداث، مما يجعل القارئ يتعاطف معها ويفهم دوافعها. هذا التصوير الدقيق يُضفي مصداقية على الرواية ويُعزِّز من تأثيرها.
كما تستند الرواية إلى أحداث تاريخية حقيقية، مما يُضفي عليها بُعدا توثيقيا، ويُقدِّم مزين وصفا دقيقا للأحداث والوقائع التاريخية، مما يُساهم في تثقيف القارئ وزيادة وعيه بالتاريخ. هذا التوثيق يُعزِّز من مصداقية الرواية ويُعمِّق من تأثيرها.
بالإضافة إلى ذلك، تُظهر الرواية ملامح من التجريب الفني، حيث يستخدم مزين تقنيات سردية مبتكرة، مثل كسر التسلسل الزمني التقليدي وتداخل الأزمنة والأماكن. هذا التجريب يُضفي على الرواية طابعا حداثيا ويُعزِّز من جاذبيتها الفنية، كما يُشكِّل الحس الإنساني سمة جوهرية في الرواية، حيث يُركِّز مزين على معاناة الشخصيات وآلامها وآمالها. هذا التركيز يُضفي عمقا إنسانيا على السرد ويجعل القارئ يتعاطف مع الشخصيات ويتفاعل مع مصائرها.
ويُحافظ مزين على عنصر التشويق طوال الرواية، من خلال بناء حبكة متقنة وتطورات درامية مشوقة. هذا التشويق يُحفِّز القارئ على متابعة القراءة ويُبقيه متلهفًا لمعرفة مصير الشخصيات، وتُوظَّف الرموز والإيحاءات بشكل فعّال في الرواية، مما يُضفي عليها عمقًا دلاليًا ويُثري تفسيرها. يستخدم مزين الرموز للتعبير عن مفاهيم معقدة وأفكار فلسفية، مما يُعزِّز من قيمة الرواية الأدبية.
كما تتضمن الرواية تأملات فلسفية حول الوجود والهوية والمنفى، مما يُضفي عليها بُعدا فكريا. يُثير مزين من خلال شخصياته تساؤلات عميقة حول معنى الحياة والانتماء، مما يُحفِّز القارئ على التفكير والتأمل.
الحب مدخل للاحتراق والانكسار
في رواية “رسائل زمن العاصفة” للكاتب المغربي عبد النور مزين، يتجلى الحب كقوة ملتهبة تجمع بين البطل وغادة الغرناط، حيث يعيشان شغفًا عاطفيًا عميقًا. تُصوّر الرواية هذا الشغف من خلال لقاءاتهما في شاطئ الريفيين، حيث تتوهج مشاعرهما في أجواء رومانسية حالمة.
يُبرز السارد ولعه بغادة، مصورًا تأثير غيابها عليه وكيف أن شوقه إليها كان يملأ كيانه، خاصة بعد الأحداث السياسية التي فرّقتهما، ومع تصاعد الأحداث، يتحول هذا الشغف إلى انكسار مؤلم نتيجة الظروف السياسية القاسية في ثمانينات القرن العشرين.
ومع تقدم السرد يجد البطل نفسه معتقلا في سجون الرباط وطوليدو، ويواجه اتهامات باطلة بقتل صديقه عبد الرحيم السوسي، في هذه اللحظات المظلمة، تصبح ذكريات غادة وحنينه إليها الملاذ الوحيد الذي يخفف من معاناته، حيث يسترجع تفاصيل حبهما ليجد فيها بعض العزاء.
ووفقا لقراءات النقاد فإن الرواية تُبرز ببراعة تأثير الشغف والانكسار على النفس البشرية، حيث يُظهر السارد كيف يمكن للحب أن يكون مصدر قوة في مواجهة المحن، وكيف يمكن للانكسار أن يُعمّق من فهم الذات والعالم، ومن خلال سرد شاعري وأسلوب غني بالرموز والإيحاءات، تنجح “رسائل زمن العاصفة” في تقديم صورة معقدة للحب في ظل الاضطرابات السياسية، مما يجعلها تجربة أدبية فريدة تستحق التأمل والتقدير.
“عدت إليها من جديد. بعد تلك الليالي في الريفيين، تبدو الرباط الآن، في هذا الصيف القائظ، جحيما لا يطاق. كنت وحيدا، بعيدا عن غادة الغرناط، ولا سبيل لسماع صوتها، فبالأحرى النظر إلى وجهها الموريسكي أو لمس ذلك البلور الحار. كنت في شوق إليها، وأكثر ما كان يعذبني أنها هي أيضا كانت أكثر اشتياقا. اِذهب إلى طنجة. هكذا قالت لي. على الأقل هناك ستكون قريبا مني”
“تتراءى لي اليوم تلك الصور من برق وشظايا، حية نابضة تبرق في وميض دائم لا يكاد ينطفئ، يلقي ببريقه على شظايا روحي المتناثرة. ربما هذا الوميض هو الذي جعلني أهيم هكذا على وجهي من امرأة لامرأة، دون أن أعثر على مرفأ يؤوب إليه زورقي. ربما كانت هي منارتي الأخيرة. خبا وغاب عني وميضها، وما كان تيهي إلا تيها في ظلمات ذلك البحر الذي أطبقت أمواجه السود علي..”
“لماذا أنا بالذات؟ لماذا أنا؟ أي نحس هذا الذي ضرب دارنا فأصابني في مقتل وأخطأ غادة؟ كنت كلما أراها أبحث في لهفة الشوق الذي تبرعم في عينيها، وفي كل جوارحها وهي تستعد للخروج إليك، وغلالة الهناء والسعادة التي كانت تلفها، وهي عائدة في المساء. كانت تحاول جاهدة أن تخفي كل شيء. لكن ذلك لم يكن يزيدني إلا مرارة وانكسارا”.